| |||||||||||||||||||
إضاءات
فما زال التأويل هو أصعب جوانب فني بكل تأكيد. وإنني لأرى في نفسي القدرة على أن أتحدث عن هوميروس أفضل من أي شخص آخر ارتبط اسم الهرمينوطيقا بهرمس رسول الآلهة أولمب في الميثولوجيا الإغريقية الذي ذكر أنه ينقل الرسائل من زيوس كبير الآلهة وينزل بها من العالم السماء إلى مستوى البشر في الأرض، فكان بالتالي خير وسيط بين عالم السرِّ الغيبي وعالم العلن المرئي، ولكنها ارتبطت أيضًا بالتفسيرات الهيمورية (نسبة إلى الشاعر هوميروس)، وكتابي العبارة وفن الشعر لأرسطو. ولكن محاورة أيون لأفلاطون هي أيضًا من الينابيع الصافية التي نهل منها مؤسسي هذا الاختصاص النبيل الذي سمي منهج تفسير النصوص الدينية، أو نظرية في التأويل، أو فن في الفهم.
كان قوم من المنافقين أتوا النبي محمد (ص)، وهو يتأهب لغزوة تبوك، فقالوا له: إنا قد بنينا مسجدًا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية. وطلبوا من النبي أن يُصلي فيه. فقال لهم: إني على جناح سفر، وحال شغل، ولو قدمنا لأتيناكم فصلينا لكم فيه. ثم أخبر الله عز وجل النبي بأن هؤلاء منافقون بنوا مسجدهم على غير تقوى الله، ليجعلوه وكرًا لبني مِلتهم يتآمرون فيه على الإسلام والمسلمين، فأمر النبي بمَسْجِد الضِرار فهُدم، وظل زمنًا والناس يتطوعون بهدم ما تبقى من أثره، وقد مُحي اليوم ولم يبق له أثر! وفيه نزلت الآية الكريمة: والذين اتخذوا مسجدًا ضِرارًا وكُفرًا وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون.
الجواب، كما يقول الإسلام، هو: كلا. يمكن المسلم أن يصلي في أي مكان يتاح له، سواء كان معمورًا، أو في العراء. فالمهم هو إقامة الصلاة، و "أينما تُولّوا فثمَّ وجه الله". سأطرح السؤال، إذًا، بصيغة أخرى: هل المئذنة شرط لا بد منه لإقامة الصلاة في أي مكان؟ والجواب هنا، استنادًا إلى الجواب الأول، هو أيضًا: كلا. يؤيد ذلك تاريخ الممارسة الدينية في الإسلام. هكذا، أطرح السؤال بصيغة ثالثة أخيرة، توكيدًا لجواب قاطع: هل المئذنة جزء عضوي وجوهري من الصلاة، بحيث لا تصح إقامتها إلا بها؟ والجواب استنادًا إلى ما تقدم هو، أيضًا، كلا. وليس في تاريخ الصلاة في الإسلام ما يناقض هذا الجواب. نقول، إذًا، تصح الصلاة في الإسلام، دون مئذنة. وغياب المئذنة لا يعني، بالضرورة، غيابًا للصلاة أو للإسلام.
إضاءة: الرمز والإشارة وتجاوز ظاهر اللغة: إن التجربة الجمالية التي يعيشها الصوفي لا تتعامل مع الحسن الظاهر بصورته الفعلية الحقيقية ولكن على أنه عارية مستعارة من الجمال الإلهي، ومن ثم فالصوفية دائمًا يبحثون عن الباطن ولا يعولون - كثيرًا - على المباشرة؛ لأنها لا تؤدي إلى معرفة حقيقية ولا إلى تعبير شعري يرضي حاستهم، ويقوي دعائم الخيال، ويفسح المجال لانطلاق أجنحته وراء الألفاظ والعبارات الوضعية إلى معان أخرى يتحملها اللفظ بالتفسير والتأويل، مما يجعل القارئ يغوص في داخل الصور وما وراءها لاستكشاف أمور ربما لا تخطر للشاعر على بال.
من أجل ذلك كله جرت الرمزية وراء التعبير مما لا يقع تحت الحس، واتجهت وجهة
صوفية نفسية، وآمنت بعالم وراء هذا العالم الحسي تحاول أن تعيش فيه وأن تستمد
موضوعاتها منه؛ لأنه هو العالم الكامل الجميل الأبدي الدائم. وبالطبع، إن تحديد مفهوم للرمز في وسط الركام النقدي الهائل شيء يعجزعنه نطاق هذا الفصل من البحث، وقد أغنت دراسات كثيرة عن تفصيل ذلك، ولكن سأحاول البحث عن مفهوم للرمز من خلال هذا المنطلق الجمالي الباطني الذى قدمت الحديث عنه.
على الرغم من الأزمة المعرفية المرعبة التي يعاني منها الإسلام اليوم والجمود الفكري الإسلامي، لا يمكننا على الإطلاق، كما يروِّج البعضُ، أنْ نلقيَ بالإسلام جملةً وتفصيلاً في سلة المهملات ولا أن نَنْعَتَه بأنه كلُّه شَرٌّ بِشرّ. وإذا جارينا هؤلاءِ البعضَ في رفضهم القاطع للإسلام جملةً وتفصيلاً كدين له بُعده الديموغرافي الذي لا يقلُّ حجمًا عن حجم أزمته المعرفية، فما البديل العقائدي المطروح من قبل هؤلاء المثقفين على هؤلاء المليار مسلم. ولو افترضنا أنَّ 90 % من الإسلام ضلال، فإنَّ الأَولى أنْ يتَّبعَ هؤلاءِ المليارُ مسلم هذا المنهج الديني من أنْ لا يتَّبعوا شيئًا ويبقوا تائهين معلَّقين في الفضاء في عالم مادي يحتاج فيه الإنسان إلى نقاط علاّم من أجل الوصول. الأفضل للمرء أنْ يتّبع طريقًا خاطئًا من أنْ يبقى مكانه ساكنًا، إذْ لا بدَّ له أنْ يكتشف الحقيقة عاجلاً أو آجلاً.
يبدو تصوّر الهوية اليهودية-العربية المشتركة متعذر اليوم بحكم الوضع السياسي القائم في الشرق الأوسط، بيد أنها كانت حقيقة واقعة قبل الحرب العالمية الثانية، كما هي الحال مع الهوية اليهودية-الألمانية. شهود هذه الهوية اليهودية-العربية الممتزجة هم اليهود الناطقون باللغة العربية وشعراؤها. أبصر والدي النور ببغداد وأجبر على الهجرة إلى إسرائيل عام ألف وتسعمئة وواحد وخمسين، وبعد ذلك بسنتين وُلدتُ في حيفا على شاطىء البحر الأبيض المتوسط. وكأي يهودي إسرائيلي المولد تلقّى تعليمه في إطار النظام التعليمي الإسرائيلي-الصهيوني، لقِّنتُ بأن الهويتين العربية واليهودية نقيضان لا يلتقيان. وفي محاولتي كطفل التكيّف مع المعايير الصهيونية-الإشكينازية الغربية السائدة، وكما كانت الحال مع بقية الأطفال من ذوي الخلفية الاجتماعية المماثلة، كنت، وأنا طفل، أشعر بالخجل من عروبة والديّ. أما بالنسبة إليهما فلم أكن سوى عميل جهاز القمع الصهيوني الحكومي الذي أرسته المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة، بعد تلقّي أفضل التمرينات والتدريبات، إلى قلب استحكامات العدو، أي: عائلتي، وقد أتممت المهمة على أكمل وجه يمكن أن يؤديه طفل أمام والديه المحبّين، مستغلاً استغلالاً تامًا ما تنطوي عليه محبّة الوالدين من ضعف إزاء طفلهما: حظرت عليهما الكلام بالعربية في الأماكن العامّة، أو الاستماع إلى الموسيقى العربية داخل بيتهما. ولم تكن العروبة مشكلة والدي الوحيدة فحسب، إذ كان نشيطًا شيوعيًا في وقت كان فيه الانتماء للشيوعية في إسرائيل لا يختلف عن الانتماء إلى منظمة إرهابية. وأكثر ما أتذكره عن والدي هو عشقه الكبير للشعر، ولا سيّما للشعر العربي، وكيف كان يستشهد به محاولاً إرشادي وتثقيفي. لا أتذكر بالتأكيد الآن أي شيء مما كان ينشد على مسمعي آنذاك من أبيات شعرية، أعرف فقط أنه كان يصرُّ على إلقائه رغم أني، ويعود الفضل في ذلك إلى تربيتي الصهيونية المتشددة، لم أودّ الإصغاء إليه. وأعتقد أن إحجامي التامّ عن الاستماع إليه، هو ما دفعه إلى تكراره مرة تلو الأخرى، الأمر الذي أهّلني بعد ذلك بسنوات لاستعادة بيت واحد من الشعر، أذكر أنه على علاقة ما بالإبل والماء، ربما لأني طوَّرت حسًّا بموسيقاه الداخلية المستمدة من بحر الكامل الخليلي. وكان بيتًا منسوبًا إلى شاعر القرون الوسطى الأعمى الزاهد أبي العلاء المعرّي (973 - 1058) الذي أثير الكثير من الجدل حول إمكانية تأثر دانتي أليغري Dante Alighieri به عند كتابته الكوميديا الإلهية - مأساتي، على كلّ حال، كانت أبعد ما تكون عن كونها إلهية: كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمولُ
لكلّ ثقافةٍ «أصولها». غير أن أهمية هذه الأصول ليست في أن تبقى «ثابتة»، كما كانت في نشأتها، بل، على العكس، في قابليتها أو قدرتها على التكيف والتحول مع التغيرات الزمنية والتاريخية في جميع الميادين. ويؤكد الحراكُ الثقافي والسياسي والاجتماعي في المجتمع العربي أننا نحن العرب، خلافًا لجميع الشعوب، منغرسون في أصولنا إلى درجةٍ لا تُعتقلُ فيها حياتُنا، وحدها، وإنما تُعتقلُ كذلك عقولنا. هكذا أزداد يقينًا، منذ صدور كتابي الثابت والمتحول في مطلع سبعينات القرن الماضي، أنه يتعذّر فهم الجغرافية الاجتماعية الثقافية في المجتمع العربي، عملاً وفكرًا، إلا في ضوء فهمنا جغرافيته السماوية - الدينية، معتقدًا ومآلاً. ويتعذر، تبعًا لذلك، أي تغيير خلاقٍ على الأرض، إلا إذا تم التحرّر كليًا من القيود التي تفرضها الأصوليات، في مختلف أنواعها، على الحياة والفكر.
يرى أفلاطون بأن المدينة تنشأ أصلاً من عجز الفرد عن الاكتفاء بنفسه في سد حاجاته المتنامية، فيجتمع في مكان واحد عدد من الشركاء المتعاونين يشكِّلون مجتمعًا يُطلَق عليه اسم "مدينة polis" ويجري فيه الأخذ والعطاء، بحيث يعتقد كلٌّ منهم أن التبادل يعود عليه بالنفع. بذلك يعزو أفلاطون نشأة المدينة إلى ضرورة تلبية حاجات الإنسان المادية والمعنوية، مع كل ما يتفرع عنها. ومنه، إذا سلمنا بصحة كلام أفلاطون، كانت المدينة بنت الحاجة إليها. بيد أن اجتماع الإنسان إلى الإنسان ليس مجرد ضم كمٍّ إلى كم. لذا ظلت المدينة، تاريخيًّا، مكان التفاعل وموضع اللقاء بالآخر. فهي، إذن، أول فضاء حر يتيح للإنسان التحقق بالبعد الاجتماعي الكامن فيه، بما يميِّزه من كائنات الطبيعة إجمالاً ومن التجمع البشري بمعناه الفج خصوصًا. فمع تمايُز الإنسان عن الطبيعة وعن العشيرة الضيقة، ومع انقطاعه، إلى حدٍّ ما، عن التماس المباشر مع البيئة الطبيعية، حاول أن يفتش عن تعويض مادي ونفسي في تماس من نوع جديد مع أنداده من البشر: تماس تفاعلي يؤدي، من ناحية، إلى نموه وتعزيز خصوصيته كشخص شرع في التفرُّد، وإلى إيجاد وعي إنساني جديد يتجاوز الأشخاص بما هم أشخاص، من ناحية أخرى. هذا ما يُسمى "الحضارة" (وضدها في السياق العربي "البداوة") أو "المدنية civilization" – عكس اللاتمايز والانكفاء على الجماعة الضيقة، القَبَلية أو العشائرية.
تأتي هذه المقالة استكمالاً لمقال سابق منشور في معابر تحت عنوان مقالة في الشكل الإلهي[1]، وهي تحاول الإجابة على التساؤل التالي: إذا كان الإيمان بالله – الإلوهية – شكلاً وطريقة تشكُّل، فماذا يكون الإلحاد وإنكار الإلوهية؟ الإلحاد atheism، في أبسط تعاريفه، هو إنكار وجود الله أو الآلهة، أي أن الله، وفقًا للملحدين، غير موجود. والإيمان faith على النقيض منه يقوم على التسليم بالإيمان، بناء على أسباب شخصية ذاتية، بوجود الله. وإذا سلَّمنا أن الإيمان بالله ليس جوهرًا بل هو شكل، طريقة تشكل للإيمان، وهو كذلك صيرورة حركية احتمالية نسبية؛ وأن هناك طرائق تشكُّل تختلف بين إيمان وإيمان آخر؛ وأنه لا يوجد إيمان شخص يطابق إيمان شخص آخر، بل إن هذا الإيمان يختلف بين لحظة ولحظة عند نفس الشخص؛ فإن الإلحاد يمكن اعتباره إحدى طرائق تشكُّل الإيمان، وهو طريقة تشكُّل بالنفي، فإحدى الاحتمالات الممكنة للإيمان بالله هي نفي الإيمان، مثلما أن إحدى طرائق التشكُّل الكمّية للتفاحات هي وجود تفاحة واحدة، اثنتان، صفر تفاحة.
|
|
|
|