| |||||||||||||||||||
إضاءات
هل من منطق عام نستخلصه من تلخيص سريع للعناوين المهيمنة في التفكير العربي المعاصر خلال العقود الستة الماضية؟ هذا ما نعتقده: إنه منطق التوزيع. ونخمن بوجود اقتران بين التوزيعية، وبين الاستبداد في السياسة، والتشدد في الدين، والازدواج في الأخلاقية، والريعية في الاقتصاد، والإيديولوجية في المعرفة، والوكالة في الوجود. نرجح بالمقابل أن هيمنة مقاربة إنتاجية تتوافق مع انفتاح في الآفاق السياسية والروحية والأخلاقية والاقتصادية والوجودية والمعرفية. هذه مقالة في الثقافة، تحاول تبين معنى خبرتنا المعاصرة وتطمح إلى الانفلات من طابعها التكراري أو الدائري .
لعل من أهم ما يميز المجتمعات الإنسانية، التي توصف بالحضارية، عن المجتمعات أو التجمعات البشرية الأخرى، هو اعتمادها على الاستفادة من الثقافات والمعارف والعلوم الإنسانية في تطوير نفسها، وفي زيادتها ونشرها مع المُطوَّر والجديد منها، للمجموع الإنساني. لأن الحضارة ما هي إلا نتاجٌ تراكمي للثقافات والمعارف الناجمة عن الجهد الإنساني واعتماد العقل كمنهج دائم في الحياة.
قضت الرؤية الخمينية بالجمع بين أقصى الانتصارية وأقصى المظلومية في مركب استضعافي واحد. بهذا الجمع أمكن تعطيل كل الطاقات الحية التي أظهرتها الأيام المشهودة للثورة الإيرانية على نظام الشاه. مثّلت هذه الثورة أكثر أنماط التحوّل السياسي في التاريخ ابتعادًا عن نموذج انقلاب القصر. وصل الأمر بميشال فوكو، الذي يُعرَف عنه عدم اقتناعه ولا فهمه يومًا للقضية الفلسطينية، أنه رأى في الثورة الإيرانية انتفاضة على أواليات السلطة ككل، وبشارة بسياسة روحانية في وجه السياسة البدنية التي استقرّت على أعتابها الحداثة الغربية، فما عادت تكتفي بالتحكّم بالإرادات، وإنما صارت تتحكّم بحياة الأبدان نفسها. انتهت ثورة ميشال فوكو على عقلانية ديكارت إلى حيث الاحتفاء فلسفيًا بالحدث الخميني، وبالإمام الخميني في حد ذاته، كحدث. بيد أن ميشال فوكو الذي استعجل محاكمة ميتافيزيقا ديكارت، في أطروحته الشهيرة عن تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، معرّفًا العقلانية الديكارتية بأنها "رُهاب الجنون"، أي وجوب أن يلازم العقل منهجًا في عينه تحت طائلة عدم الوقوع فريسة للجنون، هو نفسه ميشال فوكو الذي قدّم النموذج الأكثر فظاظة من الثنائية الديكارتية عند مقاربته الحدث الخميني، وبجعله الخميني بديلاً من ديكارت، وناهضًا في وجه الحداثة، بحداثة أخرى، ذلك من خلال التنظير لنموذج مبهم دعاه فوكو بـ"السياسة الروحانية" في مقابل "السياسة البدنية".
حين كتب فقيهٌ مسلمٌ منذ بضعة قرون في موضوع الإسلام والحكم، كان عليه التمييز بين ثلاثة أشكال للنظم السياسية. الأول وُصِف بالنظام الطبيعي كطبيعة الدولة البدائية، عالمٌ غير متمدن وفوضوي حيث يسود الباقين من كانت له القوة. بدلاً من القانون هنالك العرف، بدلاً من الحكومة هنالك شيوخ القبائل الذين يُطاعون طالما احتفظوا بالقوة. النظام الثاني: المحكوم من أمير أو ملك كلمته هي القانون. بما أن القانون مفروض بالإرادة التعسفية للحاكم ويجب على الناس أن يخضعوا له إما لحاجتهم إليه أو بسبب القمع فأن هذا النظام أيضًا استبدادي وغير شرعي. النظام الثالث، الذي هو الأفضل، هو نظام الخلافة المبني على قانون الشريعة، الذي هو تجسيد للقانون الديني الإسلامي، المبني على القرآن الكريم وسنة الرسول (ص). قانون الشريعة تبعًا للفقهاء المسلمين يلبي معايير الشرعية والعدالة ويعامل الحاكم والمحكوم على قدم سواء. ولأنه مبنيٌ على حكم القانون فإنه يمنع الإنسان من امتلاك سلطة تعسفية على إنسان غيره. نظام الخلافة كان يعتبر أفضل من غيره. بمزاوجته بين حكم القانون والسلطة المقيدة، اعتنق الفقهاء المسلمون عناصر أساسية للديمقراطية الكلاسيكية المعاصرة. السلطة المقيدة وحكم القانون ليسا كل العناصر المطلوبة لإدعاء الشرعية اليوم. القوة الأخلاقية للديمقراطية تكمن في فكرة أن مواطني الأمة هم السلطان، وفي الديمقراطيات التمثيلية المعاصرة يعبرون عن هذا السلطان بانتخابهم ممثلين. في الديمقراطية الشعب هو مصدر كل القوانين، والقانون يعمل على ضمان الحقوق الأساسية التي تحمي مصالح ورفاه أفراد السلطان.
وضعية علمانية أنت مسلم وأنا مسيحي، أنت سني وأنا شيعي أو علوي أو درزي أو اسماعيلي..، أنت مؤمن وأنا غير مؤمن،.. لكن أنت وأنا سوريان أو عراقيان أو مصريان أو لبنانيان...إلخ؛ ما هي شروط قيام علاقة عادلة بيننا كسكان بلد واحد؟ وبالتحديد، ما هي خصائص الدولة التي يمكن أن تضمن لنا مساواة تامة في الحقوق والسيادة والاحترام، وتكفل لنا حريات دينية ومدنية متكافئة؟ وأي وضع للدين لا يمس بالمساواة ضمن هذه الدولة؟ نقترح تعبير وضعية علمانية لتعيين العلاقة القلقة في بلداننا المشرقية بين التعدد الديني والمذهبي ووحدة الدولة والمساواة في الدولة بين متحدرين من أديان ومذاهب مختلفة. هذا لأن العلمانية تقترح ضمان المساواة عبر ترتيب علاقة الدين والدولة على الفصل بينهما كنصابين مستقلين. وهو ما يعني على الفور أن هناك مقرا واحدا للسيادة والعمومية الوطنية هو الدولة، فيما يترك للدين أن يعمل بحرية في "المجتمع المدني". ولعل من شأن الانطلاق من الوضعية العلمانية أن يخرج تفكيرنا حول العلمانية من المأزق الذي يتخبط فيه، والذي يتسم بغلبة مقاربات معيارية ومجردة تدافع عن العلمانية وتثبت شرعيتها المبدئية و..تقف عند هذا الحد. أو قد تمضي إلى تقرير أن العلمانية هي الحل للمشكلات الطائفية لكن دون تفصيل أو برهان غير دائري (نعرف الطائفية بأنها حصيلة لغياب العلمانية، فيكون حضور العلمانية هو الكفيل بزوال الطائفية).
في فكرنا العربي الحديث ثمة مفاهيم مظلومة، أصابها سوء الفهم فظلمت، أو حسن الفهم فظلمت، أو أصابها عنت معتنقيها أو سذاجتهم فلم تسلم من الظلم. من هذه المفاهيم مفهوم العلمانية، الذي سنحرص على مناقشته وفق مقتضياته الراهنة والمحلية، تجنبًا للضياع في متاهات التأريخ والتعريفات، فما من تعريف جامع مانع، وما من تعريف عابر للزمان والمكان، وخاصة في القضايا الاجتماعية والسياسية والتربوية ومنها العلمانية التي هي كغيرها من المفاهيم، تفقد إيجابياتها وتتحول إلى خلاف ما يريده دعاتها، إذا لم تكتس ألوان البيئة والظرف، أي إذا انطلق رافعو راياتها من المفاهيم المجردة والتعريفات الأكاديمية التي أطلقت عليها حيث ولدت، فأطّرتها في عبارات تجمع بين خصائص المفهوم المجرد والروح الذي أكسبته إياه شروط الزمان والمكان الأوروبيين.
منذ زمن طويل وأنا معجبٌ بهذا "الإمام" الجميل، معجبٌ بشخصيته، معجبٌ بمواقفه. بدأ هذا الإعجاب، الذي نما حتى صار عشقًا كبيرًا، منذ أن درست، وأنا في المرحلة الجامعية، تحفتَه طوق الحمامة في الألفة والألاف، إذ تساءلت في نفسي: كيف يصدر هذا الكلامُ عن إمام "فقيه"؟! يخرج بعيدًا عن طابور المتجهِّمين، الحاقدين، المتوعِّدين، الذين خطفوا الدين واحتكروه وأخذوا يتوعدون الناس به ويخيفونهم. فابن حزم وقف بعيدًا عن هؤلاء، وقف في ركن قصيٍّ من حديقة من حدائق قرطبة الغنَّاء، وراح يصوغ أفكاره على "شريعة" من فوح الأزهار وشدو الأطيار وخرير الجداول!
|
|
|
|