| |||||||||||||||||||
قيم خالدة
لا بدَّ من يوم تتوحد فيه البشرية فتغدو هذه الدول وهذه الدويلات التي يكتظ بها سطح الأرض دولة واحدة لا منافس لها في الحكم والسلطان إلا الطبيعة. وإذ ذاك فالقوى البدنية والروحية الهائلة التي تهدرها اليوم شعوب الأرض هدرًا في المحافظة على كيانها القومي والسياسي والاقتصادي أو في توسيع ذلك الكيان على حساب جاراتها القريبات والبعيدات تتحوَّل جميعها من أسلحة هدَّامة أثيمة إلى أسلحة بنَّاءة كريمة. فهي هدامة وأثيمة ما دام الإنسان يستعملها لامتهان كرامة أخيه الإنسان ولمزاحمته على لقمة يتبلغ بها أو على ساعة من الهناءة يكشح بها غيوم المعيشة عن قلبه. وهي بناءة وكريمة عندما يلجأ إليها الإنسان ليبتز من الطبيعة خيراتها ويفض ما أغلق عليه من أسرارها فيسخرها لغاياته بدلاً من أن يكون مسخرًا لغاياتها، ويذللها لمشيئته بدلاً من أن يكون عبدًا لمشيئتها.
في جميع ثكنات الجنود هناك ما يسمَّى "مذكِّرة الجندي" معلَّقة على الجدار، ألَّفها الجنرال دراغوميروفي. هذه المذكِّرة عبارة عن مجموعة من الأقوال العسكرية الشعبية الهجومية الغبية المتصنِّعة، والممزوجة مع اقتباسات تجديفية من الكتاب المقدَّس. يتم إيراد آيات من الكتاب المقدَّس لتأكيد أنَّ على الجنود أن يقتلوا أعداءهم، ويفترسوهم بأسنانهم: «إذا انكسرت الحربة فاضرب بكعب البندقية، وإذا خذلك كعب البندقية فاضرب بقبضتيك، وإذا أعطبت القبضتان انهش بأسنانك». أما في ختام المذكِّرة فيُقال إنَّ الله هو جنرال الجنود: «الله جنرالكم». ما من شيء يبرهن بجلاء أكثر من هذه "المذكِّرة" الدرجة المرعبة من الجهل والخضوع العبودي والوحشية التي بلغها الروس في وقتنا الراهن. منذ أن ظهر هذا التجديف المخيف، وتمَّ تعليقه في كافة ثكنات الجنود، وهذا منذ زمنٍ بعيد جدًا، لم يعبِّر أي آمر، أو أي قسٍّ، ممن يفترض أن يهمهم، بصورة مباشرة، تحريف معاني نصوص الكتاب المقدَّس، عن إدانته لهذا المؤلَّف المثير للاشمئزاز، وهو لا يزال يُطبع بملايين النسخ، ويُقرأ من قِبل ملايين الجنود الذين يعتبرون هذا المؤلف دليل عملهم.
إذا لم تكن في وصال مع أي شيء، فأنت إنسان ميت. عليك أن تكون في وصال مع النهر، مع العصافير، مع الأشجار، مع الضوء المسائي الخارق، مع ضوء الصباح على صفحة الماء؛ عليك أن تكون في وصال مع جارك، مع زوجتك، مع أولادك، مع زوجك. وأعني بالـوصال عدم تدخُّل الماضي، بحيث تنظر إلى كل شيء نظرة طازجة، جديدة، – وتلك هي الطريقة الوحيدة للوصال مع شيء ما، بحيث تموت عن كل شيء من الأمس. وهل هذا ممكن؟ على المرء أن يكتشفه، لا أن يسأل: "كيف لي أن أفعله؟" – فما أحمق هذا السؤال! الناس يسألون دومًا: "كيف لي أن أفعل هذا؟" وهذا يفضح ذهنيتهم: تراهم لم يفهموا، لكنهم يريدون أن يتوصلوا إلى نتيجة وحسب.
أود أن أناقش معكم مشكلة الحرية. إنها مشكلة معقدة للغاية، تحتاج إلى دراسة وفهم عميقين. إننا نسمع كلامًا كثيرًا يقال حول الحرية، الحرية الدينية وحرية فعل المرء ما يحلو له أن يفعل. لقد كتب البحاثة في هذا كله مجلدات ضخمة. لكني أظن أننا نستطيع مقاربة الموضوع مقاربة بسيطة جدًّا ومباشرة، ولعل ذلك سيوصلنا إلى الحل الحقيقي. أتساءل فيما إذا توقفتم يومًا لرصد الوهج الرائع في الغرب عند غروب الشمس، وهلال القمر الخجول يطل من فوق الأشجار؟ في تلك الساعة غالبًا ما يكون النهر هادئًا جدًّا، فينعكس عندئذ كل شيء على سطحه: الجسر، القطار الذي يسير فوقه، القمر الحنون، وكما هي الحال الآن، مع اشتداد الظلمة، النجوم أيضًا. هذا كله جميل للغاية. ولرصد شيء جميل ومشاهدته وإعطاء انتباهك كاملاً إليه، لا بدَّ لذهنك من أن يكون خاليًا من الانشغالات، أليس كذلك؟ يجب على الذهن ألا يكون مشغولاً بمشكلات أو هموم أو تخمينات. إذ فقط حين يكون الذهن هادئًا للغاية تستطيع أن ترصد حقًّا، لأن الذهن يكون عندئذ حساسًا للجمال الخارق. ولعل هاهنا دليلاً إلى مشكلتنا مع الحرية.
|
|
|
|