| |||||||||||||||||||
إضاءات
تروي لنا كل الديانات قصة خلق واحدة تقريبًا يُصنع فيها آدم من أديم الأرض وتليه حواء في الظهور. ولدى استعراضنا للروايات التي تقص علينا كل ما حدث قبل اختتام الخلق بالإنسان لوجدنا أن الإله، الكلي القدرة، بدأ بالنور والظلام (نسبة إلى الرواية التوراتية) وتابع بمخلوقات أدنى نزولاً حتى الحيوانات والحشرات وأدق الكائنات. وبعد كل ذاك التتابع الحافل خلق الإنسان، بدليل أنه علَّمه الأسماء كلها. أما النظريات العلمية فتقول بانبثاق النور في انفجار عظيم ولَّد كل ما تلاه من النجوم والكواكب إلى أرقِّ الفراشات، لكنها تعجز عن الجزم بكيفية ظهور الجنس البشري. أما النظرية التطورية فتضع الإنسان في المنتصف تقريبًا بظهوره على الأرض كسليل للثدييات، مما يعني أن الكائنات تابعت التطور والظهور بعد ظهور الإنسان، وأن الإنسان كائن متطور أبدًا ككل شيء آخر.
ظهرت مقالة صموئيل. ب. هنتنغتون "صدام الحضارات؟" في الـ Foreign Affairs صيف العام 1993، لتعلن في جملتها الأولى أنَّ «السياسة العالمية تدخل طورًا جديدًا». وقد عنى بذلك أنَّه في حين كانت الصراعات التي شهدها العالم في الماضي القريب تدور بين اتجاهات إيديولوجية تضع العوالم الأول، والثاني، والثالث في معسكراتٍ متحاربة، فإنَّ أسلوب السياسة الجديد يقتضي صراعاتٍ بين حضارات مختلفة، ويُفْتَرَضُ أنَّها متصادمة: «فالانقسامات الكبرى بين البشر سوف تكون انقسامات ثقافية، وكذلك المصدر الأساسي للصراع... صدام الحضارات سوف يسيطر على السياسة العالمية». ويوضح هنتنغتون بعد ذلك أنَّ الصدام الأساسي سوف يكون بين الحضارة الغربية والحضارات غير الغربية، بل إنه يكرِّس معظم مقالته لمناقشة نقاط الاختلاف الأساسية، سواء كانت موجودة بالقوة أم بالفعل، بين ما يدعوه الغرب من جهة أولى، والحضارتين الإسلامية والكونفوشية من جهة أخرى. أمَّا من حيث التفاصيل، فهو يولي الإسلام قَدْرًا من الاهتمام لا يضاهيه اهتمامه بأيِّ حضارة أخرى، بما في ذلك الغرب.
الكثير من الكلمات والمصطلحات دخلت وسكنت ثنايا لغتنا العربية، وليس في ذلك عيبًا، ولا أجد غضاضة في استخدامها مثل: البنسلين، الإنفلونزا، التلفزيون، التلفون أو الكمبيوتر أو الإنترنت... الخ، رغم أن مجامع اللغة العربية قدمت لنا بعض البدائل التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وبالمقابل أيضًا هناك الكثير من الكلمات عادت إلينا كالشيك مثلاً ذات الأصل العربي. إيران، الهند، باكستان، تركيا، إسبانيا لغاتها ممتلئة بكلمات عربية، فمسألة التنافذ اللغوي ليست إشكالية إن كانت قائمة على أصول لغوية وقواعد متفق عليها بين العرب جميعًا أو مصطلح لن يحمل معول هدم في الجوهر والمعنى والأداء اللغوي.
فما زال التأويل هو أصعب جوانب فني بكل تأكيد. وإنني لأرى في نفسي القدرة على أن أتحدث عن هوميروس أفضل من أي شخص آخر ارتبط اسم الهرمينوطيقا بهرمس رسول الآلهة أولمب في الميثولوجيا الإغريقية الذي ذكر أنه ينقل الرسائل من زيوس كبير الآلهة وينزل بها من العالم السماء إلى مستوى البشر في الأرض، فكان بالتالي خير وسيط بين عالم السرِّ الغيبي وعالم العلن المرئي، ولكنها ارتبطت أيضًا بالتفسيرات الهيمورية (نسبة إلى الشاعر هوميروس)، وكتابي العبارة وفن الشعر لأرسطو. ولكن محاورة أيون لأفلاطون هي أيضًا من الينابيع الصافية التي نهل منها مؤسسي هذا الاختصاص النبيل الذي سمي منهج تفسير النصوص الدينية، أو نظرية في التأويل، أو فن في الفهم.
كان قوم من المنافقين أتوا النبي محمد (ص)، وهو يتأهب لغزوة تبوك، فقالوا له: إنا قد بنينا مسجدًا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية. وطلبوا من النبي أن يُصلي فيه. فقال لهم: إني على جناح سفر، وحال شغل، ولو قدمنا لأتيناكم فصلينا لكم فيه. ثم أخبر الله عز وجل النبي بأن هؤلاء منافقون بنوا مسجدهم على غير تقوى الله، ليجعلوه وكرًا لبني مِلتهم يتآمرون فيه على الإسلام والمسلمين، فأمر النبي بمَسْجِد الضِرار فهُدم، وظل زمنًا والناس يتطوعون بهدم ما تبقى من أثره، وقد مُحي اليوم ولم يبق له أثر! وفيه نزلت الآية الكريمة: والذين اتخذوا مسجدًا ضِرارًا وكُفرًا وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون.
الجواب، كما يقول الإسلام، هو: كلا. يمكن المسلم أن يصلي في أي مكان يتاح له، سواء كان معمورًا، أو في العراء. فالمهم هو إقامة الصلاة، و "أينما تُولّوا فثمَّ وجه الله". سأطرح السؤال، إذًا، بصيغة أخرى: هل المئذنة شرط لا بد منه لإقامة الصلاة في أي مكان؟ والجواب هنا، استنادًا إلى الجواب الأول، هو أيضًا: كلا. يؤيد ذلك تاريخ الممارسة الدينية في الإسلام. هكذا، أطرح السؤال بصيغة ثالثة أخيرة، توكيدًا لجواب قاطع: هل المئذنة جزء عضوي وجوهري من الصلاة، بحيث لا تصح إقامتها إلا بها؟ والجواب استنادًا إلى ما تقدم هو، أيضًا، كلا. وليس في تاريخ الصلاة في الإسلام ما يناقض هذا الجواب. نقول، إذًا، تصح الصلاة في الإسلام، دون مئذنة. وغياب المئذنة لا يعني، بالضرورة، غيابًا للصلاة أو للإسلام.
إضاءة: الرمز والإشارة وتجاوز ظاهر اللغة: إن التجربة الجمالية التي يعيشها الصوفي لا تتعامل مع الحسن الظاهر بصورته الفعلية الحقيقية ولكن على أنه عارية مستعارة من الجمال الإلهي، ومن ثم فالصوفية دائمًا يبحثون عن الباطن ولا يعولون - كثيرًا - على المباشرة؛ لأنها لا تؤدي إلى معرفة حقيقية ولا إلى تعبير شعري يرضي حاستهم، ويقوي دعائم الخيال، ويفسح المجال لانطلاق أجنحته وراء الألفاظ والعبارات الوضعية إلى معان أخرى يتحملها اللفظ بالتفسير والتأويل، مما يجعل القارئ يغوص في داخل الصور وما وراءها لاستكشاف أمور ربما لا تخطر للشاعر على بال.
من أجل ذلك كله جرت الرمزية وراء التعبير مما لا يقع تحت الحس، واتجهت وجهة
صوفية نفسية، وآمنت بعالم وراء هذا العالم الحسي تحاول أن تعيش فيه وأن تستمد
موضوعاتها منه؛ لأنه هو العالم الكامل الجميل الأبدي الدائم. وبالطبع، إن تحديد مفهوم للرمز في وسط الركام النقدي الهائل شيء يعجزعنه نطاق هذا الفصل من البحث، وقد أغنت دراسات كثيرة عن تفصيل ذلك، ولكن سأحاول البحث عن مفهوم للرمز من خلال هذا المنطلق الجمالي الباطني الذى قدمت الحديث عنه.
على الرغم من الأزمة المعرفية المرعبة التي يعاني منها الإسلام اليوم والجمود الفكري الإسلامي، لا يمكننا على الإطلاق، كما يروِّج البعضُ، أنْ نلقيَ بالإسلام جملةً وتفصيلاً في سلة المهملات ولا أن نَنْعَتَه بأنه كلُّه شَرٌّ بِشرّ. وإذا جارينا هؤلاءِ البعضَ في رفضهم القاطع للإسلام جملةً وتفصيلاً كدين له بُعده الديموغرافي الذي لا يقلُّ حجمًا عن حجم أزمته المعرفية، فما البديل العقائدي المطروح من قبل هؤلاء المثقفين على هؤلاء المليار مسلم. ولو افترضنا أنَّ 90 % من الإسلام ضلال، فإنَّ الأَولى أنْ يتَّبعَ هؤلاءِ المليارُ مسلم هذا المنهج الديني من أنْ لا يتَّبعوا شيئًا ويبقوا تائهين معلَّقين في الفضاء في عالم مادي يحتاج فيه الإنسان إلى نقاط علاّم من أجل الوصول. الأفضل للمرء أنْ يتّبع طريقًا خاطئًا من أنْ يبقى مكانه ساكنًا، إذْ لا بدَّ له أنْ يكتشف الحقيقة عاجلاً أو آجلاً. |
|
|
|