| |||||||||||||||||||
منقولات روحيّة
إنَّ البطل الحقيقي، الموضوعَ الحقيقي، مركزَ الإلياذة هو القوة؛ القوة التي يستعملها الرجالُ، القوة التي تُخضِع الرجالَ، القوة التي تنقبض أمامها أجسادُ الرجال. فالنفس البشرية لا تفتأ تظهر لهم وهي تغيِّرها علاقاتُها مع القوة، تجرُّها وتعميها القوةُ التي تعتقد النفسُ امتلاكَها، تنحني تحت وطأة القوة التي تخضع لها. فالذين كانوا قد حَلَموا بأن القوة أصبحت، بفضل التطور، شأنًا من شؤون الماضي، أصبح في إمكانهم أن يروا في هذه القصيدة وثيقةً؛ والذين يعرفون كيف يميزون القوةَ، اليوم كما في الماضي، في مركز التاريخ البشري بِرُمَّته يجدون فيها أجمل المرايا وأصفاها. القوة هي ما يُحوِّل أيَّ شخص يخضع لها إلى شيء. فعندما تمارَس حتى نهايتها، تجعل الإنسانَ شيئًا بالمعنى الأكثر حرفية، لأنها تجعله جثةً. يكون هناك شخصٌ ما، وإذْ بعد لحظة ليس هناك أحد. إنها لوحةٌ لا تملُّ الإلياذة من تقديمها لنا:
... كانت الخيولُ
مقدمة يَعتَبِرُ المؤمن، في معظم المنظومات، أن في وسعه تحقيق علاقة كاملة مع الله حين يتخلى عن العالم الحسّي، لكن الحَصيدية ليست كذلك. طبعًا ترى الحَصيدية في "شق الطريق" إلى الألوهة الغاية الأسمى للكائن الإنساني، لكن تحقيق هذه الغاية لا يفرض عليه التخلي عن العالم الخارجي والداخلي ككائن دنيوي، بل التأكيد على حقيقته، وعلى جوهره الموجه إلهيًا، ما يجعله تقدمةً للألوهة. الحَصيدية ليست من العقائد المنادية بوحدة الوجود، فهي تدعو إلى تصعيد كامل للألوهة، تصعيد مقرون في الوقت نفسه بحلولية مشروطة. لأن الكون إشعاع إلهي، ولكن بما أن الكائن وهب وجودًا مستقلاً ومقدرةً على السعي الدؤوب، فإنه مهيأ دائمًا، وفي كل مكان، لبناء قوقعة حول نفسه؛ وهكذا نجد الشرارة الإلهية في كل شيء ولدى كل كائن محاطةً بقوقعة عازلة. وحده الإنسان يستطيع تحرير تلك الشرارة وإعادة وصلها بأصولها من خلال الإمساك بالأضاد المقدسة للشيء، واستخدامها بطريقة قدسية؛ أي عبر إبقاء رغبته في الفعل موجهة نحو الله. هذا ما يجعل التجلي الإلهي نابعًا من قلب ما أصبح منفيًا داخل قوقعته.
لعل غرائزنا، وثقافتنا، وحتى حسنا السليم هي أول من سيقول لنا أن الإجابة بنعم على هذا السؤال هي بكل بساطة إجابة سخيفة. فالسؤال إذًا سؤال خاطىء. ولكن، من بوسعه أن ينكر واقع أن العلم الحديث قد قوض الأساطير واكتسح والمعتقدات التي أثّرت لقرون على حياة البشر؟ ومن بوسعه أن ينفي واقع أن العلم، وبالتالي نتاجه الأكثر وضوحًا – التكنولوجيا – في طريقه لأن يغير حياتنا، تاركًا إيانا عزّلاً أمام معضلة رفاه ظاهر، يرافقه نضوب (قد يصل إلى حد الفناء) في حياتنا الداخلية؟ لأن ما نشهده اليوم هو بروز إلحاد جديد، لا علاقة له بالإلحاد القديم، سواء أكان وضعيًا أو ماديًا جدليًا. وهذا الإلحاد الجديد يأتي من منظومة العلوم الحديثة التي، على أرض الواقع، تقدم العلم كدين جديد.
|
|
|
|