| |||||||||||||||||||
إضاءات
كان هناك، أولاً، الفعل التاريخي للأحداث التي تلت وفاة الرسول محمد، وما انتهت إليه، قبل أن تبدأ المؤسسة الدينية بمحاولة استيعاب نتائج هذه الأحداث وقوننتها، في وقت لاحق بعيد نسبيًا. انقسم التحليل التالي للنخبة المثقفة وللمؤسسة الدينية، الذي كان لابد أن يأخذ شكل خطابات دينية بالضرورة، بين من برر مجمل الانقلاب الأموي على الشكل الجنيني للسلطة، الذي كان آخذًا بالتبلور في المدينة المنورة، وكرسه على أنه الشكل الصحيح الوحيد للسلطة الشرعية - أهل السنة فيما بعد؛ وبين من عارضه أو نقضه لصالح "سلطة أكثر شرعية" - الشيعة والخوارج. كلا الخطابين أخذ يؤسس لمفهوماته وأطروحاته.
لا تزال العلمانية الدريئة الأساسية التي يطلق عليها جلّ المفكرين الإسلاميين والقوميين والشعبويين سهامهم النظرية، استسهالاً للوصول إلى قلوب "الجماهير" لتحقيق مكاسب غالبها سياسي. ومؤخّرًا صدر لمفكّرين إسلاميين، واحدهما يساري والآخر راديكالي، دراستان نشرتا في مكان واحد، وتناولتا المسألة العلمانية بتقريع مهذب، مرده اعتقاد الرجلين أن العلمانية قد هزمت تاريخيًا، وأنهما يسلكان سلوكًا تربويًا مترفعًا، للإجهاز عليها. فأما الدراسة الأولى فللكاتب الإسلامي اليساريّ حسن حنفي، الذي يعود مرة أخرى إلى السجال التاريخيّ الشهير بين ممثل الفكر العلماني فرح أنطون والإمام محمد عبده. وهذه المرة ينتقي حنفي زاوية جديدة لنقد فكر أنطون بعد مرور مائة سنة على السجال التاريخي. وهو يرى أنّ الرجلين متفقين "من حيث الهدف والدعوة، إنما على خلاف في الجهة المصدر." وبذلك، يحيل حنفي السجال، بدلا من اعتباره سجالاً بين اتجاهين فكريين عربيين يختلفان في الرؤى والمشارب، إلى سجال بين الداخل والخارج. وهو يرى أنّ فرح أنطون يمثّل الثقافة الغربية، "يستمدّ ذلك من الخارج،" بينما يستمدّ محمد عبده موقفه "من الداخل."
كلاهما (التخلف والوهم) في علاقة ترابط متينة، يتعايشان معًا، واحدهما ينتج الثاني. فالتخلف، على كافة مستوياته: الاقتصادية والسياسية والثقافية، ينتج الوهم بمستويات العلاقات الاجتماعية وبمستويات طرح الأسئلة الكبيرة المتعلقة بتطور تلك المجتمعات ومتطلبات حياتها المعاصرة، كذلك بمستوى طرح الحلول والإجابة عليها؛ وبالمثل يقوم الوهم كواحد من العوامل المهمة التي تنتج التخلف وتعيد إنتاجه. لذا تظل المجتمعات، العالقة بين هذه الثنائية - ثنائية التخلف والوهم، في حالة تأزم دائمة لا تستطيع أن تسير مثلما تسير بقية الأمم والشعوب في اتجاهات تاريخية إلى الأمام، وكل ما تستطيع فعله هو الإنكفاء على نفسها، والنحو بسيرها إلى الخلف، لتستقر في تلك الأزمان الغابرة، البدائية، الداكنة، وتعيد اجترار موروثاتها وصفحات تاريخها المندس كل يوم على أنه جديد ومعاصر. فلولا مظاهر التخلف القاسية التي تحيق بالمجتمعات الإسلامية - مظاهر: الفقر، الأمية، البطالة، الاقتصاد الرث والتنمية المشوهة، القمع وانعدام الحريات، إلغاء دور النساء....- لما تصاعدت وتائر إنتاج الإعجاز العلمي في القرآن والسنة بهذه السرعة المقلقة، خاصة في العقود الأربعة الأخيرة. حيث أصبحت ثقافة الإعجاز، في مجتمع الأميين والأميات، ظاهرة مخيفة تسيطر على الذهنية العامة وتتحكم بها، تزرع في نفوسهم ازدراء العلم والتنكيل بأهله، تزرع الاتكالية والكسل واللامبالاة بذريعة الدفاع عن بيضة الإسلام، والجهاد من أجل إعلاء شأنه، والكد ليل نهار في زج الدين في مجالات العلم المتقلبة، مثلما تفعل ثقافة العنف بعقل الناس، خاصة الشبيبة، حين تزرع في نفوس اليائسين والعاطلين والمتذمرين الضغينة والحقد والبغضاء، وتدفعهم إلى قتل عشوائي حافل بالبشاعات، تدفعهم إلى هاويات الانتحار وتفجير أنفسهم في الأوساط المدنية، معتمدةً على نفس تلك الذرائع، وعاكفةً على زج الدين في السياسة. فإذا كانت ثقافة الإعجاز تصنع الوهم، فثقافة العنف تصنع الموت، وكلاهما يشكلان كابحًا قويًا في طريق نماء المجتمعات الإسلامية وتطورها ورقيها، وفي نفس الوقت يزدهران وينتعشان في بيئات التخلف والالتباسات الذهنية.
تحكي الأسطورة اليونانية أن الإله بروميثيوس أحب الإنسان كثيرًا وأشفق عليه، لِما قُضي عليه من خوف وذل وأمل عقيم، فسرق النار الإلهية، نار المعرفة، ومنحها لبني الإنسان، فكان عقابه الأبدي أن شدّه كبير الآلهة، بالأغلال الفولاذية التي لا يمكن تحطيمها، إلى صخرة مرتفعة، ذات نتوءات بارزة، تُطل على ماء المحيط، وأطلق عليه النسور تنهش جلده، وكلما طلع الصباح كساه جلدًا جديدًا لتطعم به النسور! عذاب أبدي، شاركت المارد المُعذب فيه كل عناصر الطبيعة! بيد أن كبير الآلهة لم يكفه من بروميثيوس كل هذا العذاب الجسدي، فأرسل إليه وفدًا من ربات الانتقام يعذبنه! فبروميثيوس، ككل الأبطال، له روح قوية لا تكسرها الآلام الجسدية، ولكن يكسرها أن تُفجع في الفكرة التي تمثلها! تلك هى أسطورة بروميثيوس، أوردتها في صدر المقال، لارتباطها المُلهم بموضوعه، وهو الحضارة الغربية. فالغرب يحلو له دومًا أن يرى نفسه بروميثيًا، نسبة إلى الإله اليوناني بروميثيوس الذي سرق نار المعرفة من الآلهة ليعطيها إلى البشر! والغرب يحلو له أيضًا أن يرى الحضارات الأخرى غير بروميثية!
في ثمانينات القرن الماضي برزت إلى السطح الثقافي أطروحتان مهمتان إحداهما أطروحة العقل العربي التي قدمها المفكر المغربي محمد عابد الجابري، والأخرى أطروحة العقل الإسلامي للمفكر الجزائري محمد أركون. حيث حاول المفكران، في هاتين الأطروحتين، عرض ما عدوه سمات مميزة لما أسموه العقل العربي والعقل الإسلامي، قبل أن يقوما بنقد هذا العقل الذي افترضاه. وبذلك جاء النقد حافلاً بالاستشهادات التي تبرز نقاط الضعف في هذا العقل المفترض، والإخفاقات التي أدت إلى تدهوره، معتبرين أن التدهور أمرًا محدثًا وجاء نتيجة عوامل وظروف معينة لم تكن، على أي حال، من أصل العقل نفسه. ولكن ما عرضاه في أطروحتيهما المتباينتين لم يكن كافيًا لبلورة رأي بشأن سمات هذا العقل المفترض، برغم الضجة التي أثاراها، والصدى الذي خلفاه في الأوساط الثقافية؛ لأن أطروحة كل منهما تكاد تمثل نقضًا لأطروحة الأخر...
يتّصف المسيحيون الشرقيون بظاهرة خاصّة بهم، لا يبدو أنّ لها مثيلاً في سائر البلاد التي تعمّها المسيحية، وهي في توزيعهم إلى طوائف مختلفة، قائمة بذاتها، تستند كل منها إلى تاريخ سحيق، فتتمتّع بهيكلية كهنوتية، وتشريعات كنسية، ومحاكم مذهبية أو روحية، خاصّة بها. وهي منقسمة في الوقت الحاضر إلى فئتين؛ فئة الطوائف الشرقية، المستقلّة عن كل سلطة دينية خارجة عنها، وفئة الطوائف الموصوفة بالغربية، أي الكاثوليكية، من جرّاء خضوعها إلى الكنيسة الرومانية وانتمائها إلى عقيدتها وتعاليمها - مع ملاحظة أنّ هذه الطوائف الكاثوليكية كانت وليدة انشقاق قد أصاب طائفتها الأصلية، وهي الطائفة الشرقية الأم، باستثناء الطائفة المارونية، التي استطاعت المحافظة على وحدتها الكنسية والاجتماعية، في إطار الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، بفضل انحسارها في إقليم جغرافي واحد في شمال جبال لبنان. ومن المعلوم أنّ هذه الطوائف هي من رواسب الماضي البعيد، العائد إلى ما قبل الإسلام، وأنّها نشأت وتكوّنت قبل الإسلام والفتح العربي، عندما كانت المسيحية تعمّ العالم القديم بأسره، أي أوروبا الوسطى والغربية، والإمبراطورية البيزنطية، ما عدا المملكة الفارسية، التي كانت المسيحية قد تغلغلت فيها من جوانبها الغربية، في العراق والقسم الشرقي الأكبر من بلاد بين النهرين، أي الجزيرة في لغة العرب.
بين المواطنية والطائفية: إن معالجة مفهوم المواطنية في مجتمع طائفي تُعد من أعقد الأمور، لاسيما في الدول التي تشهد تنوعًا عرقيًّا ودينيًّا ومذهبيًّا كلبنان والعراق...، فالتصوّر السائد عن الطائفية فيها يُعد مكمن الفساد، لأنه يُكرس مفهوم أن الطائفية داخل الدولة هي انعكاس للطائفية داخل المجتمع، وعلى الأفراد القبول بالتعايش داخل الدولة مع ممارسات طائفية عديدة، الأمر الذي أدَّى، مع مرور الوقت، إلى شرعنة قيام الدولة الطائفية نفسها بوصفها حتميّة اجتماعية أو تعبيرًا عن خصوصية محلّية لا يمكن التجاوز عنها من دون ارتكاب مخاطر السير في اتجاه اقتسام غير عادل للسلطة والثروة المرتبطة بها. هذه المعطيات أفرزت حكومات تخلَّت عن مسؤولياتها في بناء دولة حديثة حقيقية قوامها مفهوم الحق والقانون، وأصبح دورها محصورًا في تقاسم السلطة بين نخب الطوائف وأرباب الكراسي والعشائر القائمة، كما أدّى إلى رفع الممارسات الطائفية عن طاولة النقد، وأصبحت "الطائفية" ذلك "اللاهوت المحرم" الذي ينبغي ألا نقترب منه. هذا التصور وَحَّد تمامًا بين منطق عمل الدولة ومنطق عمل المجتمع الأهلي، ملغيًا بذلك أي إمكانية لبناء دولة سياسية ديموقراطية.
هل من منطق عام نستخلصه من تلخيص سريع للعناوين المهيمنة في التفكير العربي المعاصر خلال العقود الستة الماضية؟ هذا ما نعتقده: إنه منطق التوزيع. ونخمن بوجود اقتران بين التوزيعية، وبين الاستبداد في السياسة، والتشدد في الدين، والازدواج في الأخلاقية، والريعية في الاقتصاد، والإيديولوجية في المعرفة، والوكالة في الوجود. نرجح بالمقابل أن هيمنة مقاربة إنتاجية تتوافق مع انفتاح في الآفاق السياسية والروحية والأخلاقية والاقتصادية والوجودية والمعرفية. هذه مقالة في الثقافة، تحاول تبين معنى خبرتنا المعاصرة وتطمح إلى الانفلات من طابعها التكراري أو الدائري .
لعل من أهم ما يميز المجتمعات الإنسانية، التي توصف بالحضارية، عن المجتمعات أو التجمعات البشرية الأخرى، هو اعتمادها على الاستفادة من الثقافات والمعارف والعلوم الإنسانية في تطوير نفسها، وفي زيادتها ونشرها مع المُطوَّر والجديد منها، للمجموع الإنساني. لأن الحضارة ما هي إلا نتاجٌ تراكمي للثقافات والمعارف الناجمة عن الجهد الإنساني واعتماد العقل كمنهج دائم في الحياة.
قضت الرؤية الخمينية بالجمع بين أقصى الانتصارية وأقصى المظلومية في مركب استضعافي واحد. بهذا الجمع أمكن تعطيل كل الطاقات الحية التي أظهرتها الأيام المشهودة للثورة الإيرانية على نظام الشاه. مثّلت هذه الثورة أكثر أنماط التحوّل السياسي في التاريخ ابتعادًا عن نموذج انقلاب القصر. وصل الأمر بميشال فوكو، الذي يُعرَف عنه عدم اقتناعه ولا فهمه يومًا للقضية الفلسطينية، أنه رأى في الثورة الإيرانية انتفاضة على أواليات السلطة ككل، وبشارة بسياسة روحانية في وجه السياسة البدنية التي استقرّت على أعتابها الحداثة الغربية، فما عادت تكتفي بالتحكّم بالإرادات، وإنما صارت تتحكّم بحياة الأبدان نفسها. انتهت ثورة ميشال فوكو على عقلانية ديكارت إلى حيث الاحتفاء فلسفيًا بالحدث الخميني، وبالإمام الخميني في حد ذاته، كحدث. بيد أن ميشال فوكو الذي استعجل محاكمة ميتافيزيقا ديكارت، في أطروحته الشهيرة عن تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، معرّفًا العقلانية الديكارتية بأنها "رُهاب الجنون"، أي وجوب أن يلازم العقل منهجًا في عينه تحت طائلة عدم الوقوع فريسة للجنون، هو نفسه ميشال فوكو الذي قدّم النموذج الأكثر فظاظة من الثنائية الديكارتية عند مقاربته الحدث الخميني، وبجعله الخميني بديلاً من ديكارت، وناهضًا في وجه الحداثة، بحداثة أخرى، ذلك من خلال التنظير لنموذج مبهم دعاه فوكو بـ"السياسة الروحانية" في مقابل "السياسة البدنية".
حين كتب فقيهٌ مسلمٌ منذ بضعة قرون في موضوع الإسلام والحكم، كان عليه التمييز بين ثلاثة أشكال للنظم السياسية. الأول وُصِف بالنظام الطبيعي كطبيعة الدولة البدائية، عالمٌ غير متمدن وفوضوي حيث يسود الباقين من كانت له القوة. بدلاً من القانون هنالك العرف، بدلاً من الحكومة هنالك شيوخ القبائل الذين يُطاعون طالما احتفظوا بالقوة. النظام الثاني: المحكوم من أمير أو ملك كلمته هي القانون. بما أن القانون مفروض بالإرادة التعسفية للحاكم ويجب على الناس أن يخضعوا له إما لحاجتهم إليه أو بسبب القمع فأن هذا النظام أيضًا استبدادي وغير شرعي. النظام الثالث، الذي هو الأفضل، هو نظام الخلافة المبني على قانون الشريعة، الذي هو تجسيد للقانون الديني الإسلامي، المبني على القرآن الكريم وسنة الرسول (ص). قانون الشريعة تبعًا للفقهاء المسلمين يلبي معايير الشرعية والعدالة ويعامل الحاكم والمحكوم على قدم سواء. ولأنه مبنيٌ على حكم القانون فإنه يمنع الإنسان من امتلاك سلطة تعسفية على إنسان غيره. نظام الخلافة كان يعتبر أفضل من غيره. بمزاوجته بين حكم القانون والسلطة المقيدة، اعتنق الفقهاء المسلمون عناصر أساسية للديمقراطية الكلاسيكية المعاصرة. السلطة المقيدة وحكم القانون ليسا كل العناصر المطلوبة لإدعاء الشرعية اليوم. القوة الأخلاقية للديمقراطية تكمن في فكرة أن مواطني الأمة هم السلطان، وفي الديمقراطيات التمثيلية المعاصرة يعبرون عن هذا السلطان بانتخابهم ممثلين. في الديمقراطية الشعب هو مصدر كل القوانين، والقانون يعمل على ضمان الحقوق الأساسية التي تحمي مصالح ورفاه أفراد السلطان.
|
|
|
|